ابن أبي الحديد
229
شرح نهج البلاغة
أنساع الهودج ، ثم قال لمحمد بن أبي بكر : اكفني أختك ، فحملها محمد حتى أنزلها دار عبد الله بن خلف الخزاعي . * * * بعث على عبد الله بن عباس إلى عائشة يأمرها بالرحيل إلى المدينة ، قال : فأتيتها ( 1 ) ، فدخلت عليها ، فلم يوضع لي شئ أجلس عليه ، فتناولت وسادة كانت في رحلها ، فقعدت عليها ، فقالت : يا بن عباس ، أخطأت السند ، قعدت على وسادتنا في بيتنا بغير إذننا ! فقلت : ليس هذا بيتك الذي أمرك الله أن تقري فيه ، ولو كان بيتك ما قعدت على وسادتك إلا بإذنك ، ثم قلت : إن أمير المؤمنين أرسلني إليك يأمرك بالرحيل إلى المدينة ، فقالت : وأين أمير المؤمنين ! ذاك عمر ، فقلت : عمر وعلى ، قالت : أبيت ! قلت : أما والله ما كان أبوك إلا قصير المدة عظيم المشقة ، قليل المنفعة ، ظاهر الشؤم بين النكد ، وما عسى أن يكون أبوك ! والله ما كان أمرك إلا كحلب شاة حتى صرت لا تأمرين ولا تنهين ، ولا تأخذين ولا تعطين ، وما كنت إلا كما قال أخو بنى أسد : ما زال إهداء الصغائر بيننا * نث الحديث وكثرة ، الألقاب ( 2 ) حتى نزلت كان صوتك بينهم * في كل نائبة طنين ذباب . قال : فبكت حتى سمع نحيبها من وراء الحجاب ، ثم قالت : إني معجلة الرحيل إلى بلادي إن شاء الله تعالى ، والله ما من بلد أبغض إلى من بلد أنتم فيه ، قلت : ولم ذاك ! فوالله لقد جعلناك للمؤمنين أما ، وجعلنا أباك صديقا ، قالت : يا بن عباس ، أتمن على برسول الله ؟ قلت : ما لي لا أمن عليك بمن لو كان منك لمننت به على ! ثم أتيت عليا عليه السلام فأخبرته بقولها وقولي ، فسر بذلك ، وقال لي : ( ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ) ( 3 ) ، وفى رواية ، أنا كنت أعلم بك حيث بعثتك .
--> ( 1 ) ب ( فلقيتها ) ، وما أثبته من ( 2 ) البيتان في المضاف والمنسوب 397 ، ونسبها إلى حضري بن عامر . ( 3 ) سورة آل عمران 34 .